* ضبط المصطلحات :
فى البداية يجب تحديد التعريفات المستخدمة عند الكلام عن العلم .حتى يصبح للكلمات معنى محدد واضح .لأن "اللغة هى أحد المقومات الأساسية للتفكير المجرد. ومن الصعب أن تفكر بوضوح وسهولة فى مفاهيم معقدة و ومجردة بلغة لا تحتوى على الكلمات المناسبة لمثل هذه المفاهيم"(1)
البديهيات Axioms :
تشكل البديهيات الأساس المتين الذي تُبنى عليه المعرفة، فهي عبارات
أو مبادئ أولية نقبلها على أنها صحيحة دون حاجة إلى برهان، لكونها واضحة بذاتها ومتسقة
مع العقل والمنطق، مثل القول
"الكل أكبر من الجزء".
فى المنطق إذا كان أ يساوى ب وكان ب يساوى جـ فإن أ يساوى جـ
.
الفروض Hypotheses :
هى تخمينات ذكية نضعها كتفسير مؤقت لظاهرة ما، أو كنقطة انطلاق
لاستنباط النتائج وبناء الاستدلالات، وغالبًا ما تأتي في صيغة "إذا كان... فإن...".
وعندما نبدأ باختبار هذه الفروض وفحصها عبر التجربة والملاحظة المتكررة، تتحول إلى
نظرية.
زيادة شدة الضوء تزيد من معدل نمو النباتات.
النظرية Theory :
وهي إطار تفسيري شامل
ومترابط يشرح ظاهرة طبيعية مثبتة بأدلة قوية، وتربط بين مجموعة من المفاهيم
والعلاقات في إطار متسق يفسر ظواهر معينة وتتميز
بقدرتها على التنبؤ بحقائق جديدة.
نظرية الجاذبية لنيوتن فى الفيزياؤ و نظرية التطور فى علم
الأحياء.
الحقائق Facts :
تمثل بيانات مؤكدة وملاحظات مُقاسة يمكن التحقق منها تجريبيًا
بشكل مستقل، وهي بمثابة اللبنات التي تختبر صحة الفروض وتدعم أو تدحض النظريات. وهكذا،
تترابط هذه المفاهيم في سلسلة متصلة: تبدأ من البديهيات التي لا تحتاج إثباتًا، مرورًا
بالفروض التي تحتاج اختبارًا، وصولًا إلى النظريات التي تشرح الحقائق الثابتة في عالمنا.
مثال: الماء النقى يغلى عند درجة حرارة 100 درجة
سيليزية تحت الضغط الجوى المعتاد.
مثال واقعي يجمع المفاهيم الأربعة
البديهية
لكل نتيجة سبب
الفرض
التدخين يزيد من فرصة الإصابة بسرطان الرئة"
الحقيقة (بعد قياسات)
"90% من مرضى سرطان الرئة
كانوا مدخنين." (كمعلومة مثبتة)
النظرية (بعد تراكم الأدلة)
"نظرية علاقة التدخين بسرطان
الرئة"
وتشرح بالتفصيل كيف تؤدي المواد الكيميائية إلى تدمير خلايا
الرئة.
الخلاصة:
البديهية: حقيقة أولية واضحة بذاتها (لا تحتاج برهانًا).
الفرض: تخمين يحتاج إلى اختبار.
النظرية: تفسير شامل مثبت
بأدلة لظاهرة ما.
الحقيقة: ملاحظة مؤكدة ويمكن التحقق منها. وهى غير واضحة بذاتها مثل البديهيات.
* أحيانا إفتراضات خاطئة تقود لنتائج صحيحة :
على سبيل المثال إفترض الفيزيائيين وجود مادة شفافة عديمة اللزوجة و عديمة الكتلة تملأ الكون أسموها "الأثير" وذلك لمساعدتهم على تفسير انتشار الموجات الكهرومغناطيسية وتمكن ماكسويل من التعبير الرياضى عن الكهرومغناطيسية من خلال أربع معادلات التى من خلالهم تمكن من حساب سرعة الضوء نظرياً بدقة كبيرة.
وضع جيمس كليرك ماكسويل الصيغة الأولية لمعادلاته بين عامي 1861 و1862، وأصدر الشكل النهائي لها في عمله "نظرية ديناميكية للمجال الكهرومغناطيسي" عام 1865، والتي وحدت الكهرباء والمغناطيسية والضوء, ورغم إعتماده على افتراض وجود الأثير الذى تبين بعد ذلك تجريبياً أنه افتراض خاطئ توصل لنتائج صحيحة.
كذلك فيما يتعلق بالتوصيل الحرارى افترض العلماء وجود سائل يتخلل المواد أسموه "الفلاجستون" وحركة هذا السائل الافتراضى هى سبب انتقال الحرارة و لكن تبين بعد ذلك عدم صحة هذا الفرض رغم أنه كان يقود لمعادلات صحيحة.
ما سبب ذلك؟ السبب يكمن فى أن التفكير البشرى يعتمد على مخزون عقلى من مشاهدات حياتية سابقة ففى حالة الموجات الكهرومغناطيسية ارتبطت ذهنيا بالموجات الميكانيكية مثل موجات الصوت التى تتطلب وجود وسط مادى تهتز جزيئاته لتنقل الاضطراب من نقطة لأخرى فترسخ فى أذهان العلماء أن الإضطراب الذى يمثل الموجات لابد له من وسط ينقله و من هنا تولد الافتراضات الخاطأ و التى يتبين فيما بعد أنها افتراضات زائدة عن الحاجة لأنها فقط تمثل طريقة مريحة للعقل البشرى من خلالها يمكنه أن يفسر الظواهر الجديدة بناء على خبراته المحدودة المتراكمة ومشاهداته اليومية السابقة, وهنا مكمن الخطأ.
كذلك فى ظاهرة التوصيل الحرارى خلال المواد الصلبة أثبتت التجارب عدم وجود أى سائل سحرى مسئول عن هذه الظاهرة ,بل تم تفسيرها بناء على النظرية الذرية التى وضعها بولتزمان و تم رفضها فى البداية وبعد أن مات الرجل منتحراً أثبت العالم الفذ ألبرت أينشتين صحتها وبناء عليها فإن ببساطة ذرات المادة الصلبة تهتز و بارتفاع درجة الحرارة يزداد إهتزاز الذرات و تتصادم الذرات المهتزه مع الذرات المجاورة وبذلك تنتقل الحرارة التى ماهى إلا طاقة اهتزاز ذرات المادة.
لذلك لا تتوقع أن تتصرف الطبيعة وفق طريقة تفكيرك :
فالطبيعة لن تتصرف وفق ما تريد وما يتوقع عقلك بل على العكس يجب أن يتكيف عقلك و تتشكل معرفتك وفق ما تمليه الطبيعة.
* التجربة هى الحكم:
ليس هناك أى قداسة لنظرية علمية.مهما كان قائلها. تظل النظرية العلمية و النتائج المترتبة عليها معمولاً بها حتى تصطدم بنتائج تجربة عملية تعطى نتائج لا تتفق مع التوقعات النظرية. هنا يبدأ البحث عن نظرية جديدة و كمثال على ذلك فشل ميكانيكا نيوتن فى تفسير مسار كوكب عطارد وفشل مبدئها لنسبية السرعة مع الضوء الذى تكون سرعته ثابته مهما كانت سرعة الراصد سواء كان مقبلاً أو مدبراً. و ظهور النظرية النسبية فتبين لنا أن ميكانيكا نيوتن ما هى إلا مقاربة تعمل بشكل صحيح بدرجة تقريب مقبولة فقط عند السرعات الأصغر كثيرا من سرعة الضوء.ولكنها تفشل تماما عند السرعات القريبة من سرعة الضوء و عند مجالات الجاذبية القوية. وكذا فى العلم تتوارى نظرية قديمة و تولد نظرية جديدة.
و دائماً تعمل الأسئلة كمفاتيح للمعرفة. والأسئلة تبنبع من الفضول الطفولى. لذلك أكثر الذين يتسائلون أسئلة قد تسبب حرجاً لذوى العقول الكسلى هم الأطفال و العلماء. فلأسئلة تدفع العلم نحو حدوده القسوى التى عندما نقترب منها نجدها أبعد مما كنا نتصور.
=======
(1) تشارلزكيل , والتر .د. نايت , مالفين.أ.رودمان , مقرر بيركلى فى الفيزياء الميكانيكا الجزء الأول ص 52
تعليقات
إرسال تعليق